|
|
الكلمات
رأس
المال الخاص وخيار الشراكة التمويلية في الإعلام
الخليجي
عبد الوهاب بدرخان
نائب رئيس تحرير صحيفة "الحياة" – لندن
المال والإعلام حليفان لدودان، كلاهما مرتبط بالسلطة بشكل أو آخر.
إذا التقيا يولد ذلك سلطة. هذا ما أدركته الحكومات وعملت على
استيعابه واحتوائه. وهذا ما أدركه أصحاب المال فحاولوا ويحاولون
التكيف معه، وبالتالي تكييف أجنداتهم وطموحاتهم. كما أدركه أيضاً
الإعلاميون ويتعاملون معه على نحو يومي، باخفاقات أحياناً، ونجاحات
احياناً أخرى.
|
|
 |
في العالم الغربي حققت
العلاقة بين أطراف هذا الثلاثي، السلطة والمال والإعلام، تجارب
متقدمة وصعبة لتحديد قواعد اللعبة. وساهم الربط المباشر بين الحقوق
المدنية وحقوق الإنسان وبين النشاط المالي الإعلامي في استنباط
سلسلة من التشريعات التي تنظم تلك العلاقة وتصون حقوق الفرد
والمجتمع.
إلا أن الصراع في الغرب قاد إلى تحديد – أو
بالاحرى اعادة الاعتبار- لطبيعة المال والإعلام بأنهم مدنيان أولاً،
ولا يمكن للدولة أن تحتكرهما.
ولا شك في أن هذا الصراع هو نفسه الذي يشغل
الحكوميين والإعلاميين في مختلف الدول الغربية، وإن اختلفت الأشكال
والصيغ والتفاصيل، ولكن الإتجاه السائد هو إلى تنازل السلطة لمصلحة
(تحرير) الإعلام، وتفضيل التسويات عبر القيود التشريعية، وبالتالي
إلى إقامة شراكات متوازنة لخدمة المصالح.
في العالم العربي نجد حالة خاصة جداً لا
تتمثل فقط في أن الإعلام حتى الأمس القريب حكراً على القطاع العام،
بل لا يزال كذلك في العديد من الدول، بل في كون مفاهيم العام
والخاص متداخلة. لم تتكون بنية قانونية ومفاهيمية واضحة تميز بين
القطاع العام والقطاع الخاص، لا بالنسبة إلى المال ولا بالنسبة إلى
الإعلام. ومع أن التغيرات العالمية اضطرت الحكومات إلى توضيح معالم
القطاع الخاص، والإعتراف بالمجال الحيوي الذي يمكن أن يتمتع به،
إلا أن هذه المهمة لفتت أيضاً إلى أن القطاع العام في العديد من
البلدان يتميز بطبيعة خاصة، أي أن التحول المسمى أحياناً (انفتاحاً)
كان يقتصر في معظم الأحيان على تغيير التسميات مع الإبقاء على
المضامين والسلوكيات. ويعزى ذلك إلى أن القطاع العام والخاص كانا
واحداً، وعندما تطلبت السوق أن يفصل بينهما لم يظهر الفارق مباشرة،
خصوصاً في البلدان الخليجية التي كانت تتبع نظاماً اقتصادياً أقرب
إلى المفهوم الغربي، وبتحرره وليس بضوابط القانونية.
إذا أخذنا منطقة الخليج كمثال يتبين لنا أن
احتكار الدولة، أي القطاع العام، للإعلام لا يزال واضح المعالم،
إلا أنه آخذ في التآكل. ويمكن القول أن ثورة التقنيات وغزو
الفضائيات وانتشار الاتصال الالكتروني وزحف العولمة ببعض مفاهيمها
العامة قد بدلت المشهد بنسبة كبيرة، من دون استئذان الدولة وفوق
حواجز القطاع العام. لكن السلطة استطاعت ان تتعامل مع هذه التبدلات
وان تطوع الكثير منها، إما باجراءات سابقة شكلت تحركاً تحوطياً لما
سيأتي أو بتسويات ظرفية نوعية. وعدا الإعلام الرسمي المعروف، والذي
بات محدود الأهمية والحجم، ونشأت أنماط جديدة من وسائل الإعلام
التي تدار بشراكة مضبوطة بين القطاعين العام والخاص، أو برأسمال
خاص إنما بشروط يخضع لها القطاع الخاص لأسباب تجارية أو لدوافع
التقرب من السلطة.
وفي كل الأحوال، لا يزال الإعلام الخليجي
يبدو ملتزماً سقفاً سياسياً معيناً لا يتجاوزه إلا في حالات نادرة،
إما عندما تكون المسألة المطروحة جدلية وتنطوي على هامش واسع يمكن
التحرك فيه، أو في المسائل التي لا تتعلق بالوضع الداخلي. لذلك
يصعب العثور على تحقيقات معمقة في قضايا حساسة ذات علاقة بالمال
العام أو بالاصلاح السياسي والاقتصادي.
في
دولة الأمارات، لا يزال القطاع العام أكثر سيطرة على مختلف الوسائل
المختلفة، سواء الإعلام المكتوب أو المرئي أو المسموع. هناك صحف
تصدر عن القطاع الخاص، لكنها تتمتع برعاية خاصة تحمي كيانها
واستمرارها شرط التزامها السقف السياسي. ومع تعاظم أهمية القطاع
العام شبه المخصخص، أو العام – الخاص، شهد الإعلام بعض التحسن الذي
يمكن أن يلاحظ إما في الشكل، كما في فضائيتي أبوظبي ودبي، وإما في
المضمون كما في صحيفة (الإمارات اليوم) أو في مطبوعات (الإمارات
للإعلام) أبرز هيئة لإعلام القطاع العام. لكن المضمون لا يزال
يعاني عموماً من ميل (عام) إلى تجنب السياسة واعتبارها نشاطاً غير
محبذ.
ماذا تمثل جريدة (الحياة) في هذا المشهد؟
نستطيع أن نقرر، بلا مبالغة، أنه كان
لـ(الحياة) دور مهم في رفع السقف الذي تمارس الرقابة تحته. ولم يكن
ذلك ليتم ببساطة وإنما بخسارة مادية تحملها الناشر وأيضاً برهان
مهني أصرت عليه الجريدة واستطاعت أن تدافع عن موضوعيته، من دون أن
تخوض الأمر كأنه معركة نضالية من أجل الحريات وإنما بإسلوب بارد
وهادئ وأثار الكثير من الحبر والجدل، وبمقدار ما أكسب الجريدة سمعة
جيدة أصبحت في ما بعد رأسمالها الثاني الذي لا يقدر بثمن.
|