|
عندما
انعقدت القمة الخليجية الخامسة والعشرون في ابوظبي في شهر
ديسمبر 2005 كنت أقضي اجازة تفرغ علمي في جامعة ميشغن
بالولايات المتحدة الأمريكية وتابعت احداث هذه القمة كغيري
من أبناء المنطقة وأبناء العالم العربي وهنا انقدحت في
ذهني فكرة هذا البحث ، الذي بدأته عندئذ ولكنني لم اكمله
حتى تلقيت الدعوة الكريمة من مركز الأمارات للدراسات
والأعلام للمشاركة في هذا المؤتمر ، والفكرة تتعلق بمحاولة
القاء الضوء على تجربة دول المجلس بعد مرور أكثر من ربع
قرن من الزمان على قيامه. نعم لقد اثارت تلك القمة في ذهني
ذكريات عن تاريخ كامل من القمم العربية والخليجية
والأسلامية التي انعقدت في هذه المنطقة منذ ان حازت دولنا
العربية والأسلامية على "استقلالها" من المستعمربرفع
اعلامها وبتدوين دساتيرها وبأصدارجوازات سفرها وبالقعود
على كراسيها في المحافل الأقليمية والدولية ، ولاننسى طبعا
نغمات النشيد الوطني لكل دولة من هذه الدول . هذه الذكريات
جعلتني اتساءل عن ماهية الأسباب التي تجعل المؤتمرات وجهود
التكتل والتعاون بكل صورها واشكالها في الدول الأخرى ،
خاصة الصناعية منها ، تؤدي الى التقدم الى الأمام حتى ولو
بخطى بطيئة ولكن ثابته في اغلب الأحيان ، أو الحفاظ على
الوضع الراهن في أسوأ الأحوال ، بينما تؤدي هذه اللقاءات
والجهود في عالمنا الى الجمود او التراجع في الغالب ؟ وهنا
تذكرت جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الأسلامي
والوحدة بين مصر وسوريا ومجلس التعاون العربي والأتحاد
المغاربي ودولة الأمارات العربية المتحدة واخيرا وليس بآخر
مجلس التعاون الخليجي . ومن اللافت للنظر ان محاولات
التكامل والتعاون هذه ، وبغض النظر عن ضروف قيامها والتي
وللأسف لم تكن نابعة من رغبة جادة لدى حكوماتنا ولكن كما
يقال مجبر أخاك لابطل ، توفرت لها كثير من عوامل النجاح من
تحديات خارجية وموقع استراتيجي وعمق سكاني وتجانس عرقي
وديني وارث حضاري وحاجة ماسة للتنمية وتقليل الأعتماد على
النفط الناضب . ولكن وعلى الرغم من كل ذلك فان النتائج
الواقعية لهذه الجهود ظلت هزيلة مقارنة بالأمكانيات
ولااريد ان اتصور ما كان سيكون عليه العالم العربي في
بداية الألفية الثالثة لو لم يكن لدينا هذا النفط الخام
الذي كان نعمة من الله وأبينا الا نجعله نقمة على أكثرمن
صعيد . هذا التساؤل دفعني الى تساؤلا آخر مرتبطا بالتساؤل
الأول وهو: مالحل ؟ أي كيف يمكن لهذه الأمة بدائرتيها
العربية والأسلاميه ان تبدأ بالخروج من أزمتها التي طالت ؟
وكانت فاتحة الأجابة في جملة للزعيم المصري سعد زغلول
عندما قال بأن جمع الأصفار لاينتج عنه الا صفرا اي لاشي
وهذا بالضبط ما نتج عن محاولات التوحد العربي في ظل واقع
الدول العربية الراهن وهذا هو مدخلي الى موضوع هذا البحث .
ولتقريب الفكرة الى ذهن القاريء اعود معه الى تساؤلي عن
الأسباب الكامنه وراء نجاح التكتلات والقمم عندما تتم بين
حكومات وممثلي الدول الصناعية وتفشل عندما تتم بين حكومات
وممثلي الدول العربية والأسلامية ؟ واجابتي المختصرة هي ان
اجتماعات الدول الصناعية هي عبارة عن جمع ارقام موجبة لابد
ان ينتج عنها رقما اكبر اما اجتماعات الدول العربية
والأسلامية فهي وللأسف اقرب الى جمع الأصفار الذي ينتج عنه
صفرا. ولكن لماذا ؟ الأجابة في اعتقادي هي ان ممثلوا الدول
الصناعية يمثلون شعوبهم ومصالحها وياتون الى طاولة
المفاوضات ببرامج تم تمحيصها ومعرفة آثارها قصيرة المدى
وبعيدة المدى على كافة شرائح المجتمع بألأعتماد على
البيانات والمعلومات التفصيلية ، كما وانهم ياتون بأرادة
مجتمعية وقدرة على اتخاذ القرار وبفهم للمكاسب والتكاليف
التي تتمخض عن قبولهم او رفضهم لسياسة او اقتراح ما ، وهم
كذلك يتصرفون وفق رؤية لمصالح الأجيال الحاضرة والقادمة
مما يعني ان الشجرة القريبة لاتعميهم عن الغابة الكبيرة ،
اي انهم قد يتنازلون عن بعض المكاسب الآنية للأجيال
الحالية من اجل مكاسب كبيرة للأجيال القادمة وهكذا دواليك
، بل انهم يدركون ان وظائفهم الحالية ليست مؤبده اي انهم
لن يتحولوا الى ديناصورات كديناصورات عالمنا العربي
وبالتالي فمن الخير لهم ان يتركوها وقد خلدوا اسماءهم
بانجازات تفتخر بها اجيالهم وحتى هذه الفترات المحددة قد
تنتهي اذا ما اخلوا بصورة او باخرى بشروطهم مع الناخب الذي
اختارهم . بمعنى آخر ان مكونات التقارب بين الدول الصناعية
هي لبنات او اجزاء قوية مما يساعد على نجاح الجهود
التكاملية ، بينما جهود التعاون والتقارب بين الدول
العربية ترتكز على لبنات ضعيفة مكونة من دول حكوماتها
لاتمثل ارادة مجتمعية واضحة وان ادعت غير ذلك ، وسياساتها
ارتجالية ولاتقوم على فهم دقيق لآثار هذه السياسات
والبرامج التي يتم التفاوض عليها ، وهي كذلك تكتنفها
السرية التي لاتسمح لأبناء المجتمع بالتفاعل معها والتأثير
فيها لأنها تخدم مصالح الحكومات وحدها ، كل هذه الأمور
تؤدي الى تحول هذه المؤتمرات والتجمعات الى لقاءات تبذير
وهدر وشعارات وجدل وضياع للأوليات والأنتهاء ببيانات فارغة
وممجوجة لم تعد صالحة حتى للأستهلاك المحلي لأن الشعوب
اصبحت تعي درجة افلاس هذه الحكومات .
في خضم هذا الواقع يعتقد كاتب هذه الورقة
ان من الوسائل التي يمكن ان تساهم ولو بشيء يسير في كسر
هذه الدائرة المفرغة التي تعاني منها دولنا العربية هو
التركيز على الكيانات الحالية كمجلس التعاون كحالات دراسية
ومحاولة فهم نسيجها الأجتماعي وتركيبتها السياسية وتسليط
الأضواء على اسباب ضعفها والعقبات التي تعترض طريق تقدمها
ومحاولة اقتراح السياسات التي تساعد على تقويتها وتحويلها
الى لبنات قوية في البناء العربي المنشود ولا اقصد هنا
تعميق التجزئة الحالية ولكنني اقصد محاولة توفير الضروف
الموضوعية لنجاح التكامل والتعاون على نطاق العالمين
العربي والأسلامي اي السعي لجعل هذه الأصفار ارقام موجبة.
ان هذا
المدخل هو تنموي ووحدوي في آن واحد لعدة أسباب منها: أولا
: ان تجارب النصف الثاني من القرن العشرين تؤكد ان هذه
الدول بأوضاعها الحالية لن يتمخض عنها كيان موحد ولن تتحقق
فيها التنمية ولن تساهم في تحرير الأراضي المحتلة وبالتالي
لابد من بديل .ثانيا :ان الأصلاح الداخلي وتقوية الأرادة
المجتمعية لهذه الدول ستقود في النهاية الى بلورة تصور
شامل لمفهومي الأمن والتنمية وهذا التصحيح في الرؤيا سيدفع
هذه الدول الى التقارب والتعاون الذي سيكون نابعا من رؤية
مجتمعية جادة وتتصف بالأستمرارية وليست محكومة بأهواء
ونزوات الحكام التي لاتستقر على حال . اي انه اذا اصبح
القرار منبثقا من ارادة كافة الشرائح المجتمعية في هذه
الدول فان قراءة التحديات ومتطلبات التنمية والأمن بكل
صورها ستدفع هذه الشعوب الى المطالبة بالألتحام مع بقية
الشعوب العربية والأسلامية التي تشاركها في الآلام والآمال
خاصة وهي ترى العالم يموج بالتكتلات العملاقة من القارة
الأمريكية الى اوروبا الى شرق آسيا . ثالثا: ان هذا المدخل
يهدف الى تسريع خطى التغيير وكسر الجمود الذي تعاني منه
دول المنطقة في الوقت الحاضر في فترة تداعت فيه الأمم على
العرب والمسلمين وهذا المدخل لايتعارض بأي حال من الأحوال
مع استمرار الجهود على مستوى الدوائر الأوسع سواء كانت
عربية ام اسلامية بل ان تقوية الجبهة الداخلية لكل اقليم
عربي والدفع به نحو ارادة مجتمعية واعية يدفع بدوره الى
جعل العمل في الدوائر الأخرى اكثرجدية وجدوى اي انه يشكل
رافدا هاما للعمل الوحدوي المنشود لأنه يرفع من طاقة كل
دولة من الدول الأعضاء.
في هذا
السياق يعتبر هذا البحث محاولة لقراءة تجربة التنمية في
دول مجلس التعاون الخليجي الذي مر على قيامه اكثر من ربع
قرن وذلك بالتركيز على الخطوط العريضة لمسيرة التنمية في
هذه الدول من غير الولوج في جزئيات كل دولة نظرا لضيق
المساحه وبسبب التشابه الكبير بين هذه الدول مما يجعل
اتخاذ المجلس كوحدة تحليل اكثر جدوى . وبشكل ادق سنحاول
التركيز على اهم محددات التنمية في هذه الدول والتي كان
بامكانها ان تكون قوى ايجابية في تنمية وامن هذه المنطقة
ولكنها تحولت الى عقبات كأداء في مسيرة هذه الدول كما حصل
وللأسف لأكثر من ثلاثين عاما من جهود التنمية . ففي الجزء
الأول سنتحدث عن الوراثة في الحكم وكيف اخذت منحى استبدادي
ساهم الى حد كبير في تعطيل فعالية محددات التنمية الأخرى
ليصبح أهم معوق امام نهضة هذه الدول . وفي الجزء الثاني
سنحاول ان نفهم كيف تحولت الثقافة الأسلامية من مخزون وزاد
نهضوي الى عامل تفرقة وهدر للطاقات. وفي الجزء الثالث
ننتقل لتقييم دور النخب الخليجية خاصة العلماء والمثقفون
ورجال الأعمال وكيف همشتهم بيئة الأستبداد لأنهم لم
يختاروا ان يكونوا ارقاما صعبة فكادوا ان يتحولوا الى
اصفار . وفي الجزء الرابع نحاول فهم دور المؤسسات التي
افرزتها بيئة الأستبداد فاصبحت شكلا بلا مضمون بل ومعاول
تهديم وافساد في كثير من الأحيان . واخيرا ننتقل في الجزء
الخامس للحديث عن السياسات التي كانت عبارة عن ثمرة تفاعل
الأستبداد ونخبه العاجزة ومؤسساته الديكورية ، ونختم بنظرة
مستقبلية نؤكد فيها على ضرورة تصحيح الرؤية التنموية لهذه
الدول بدل الرؤية الحالية الناقصة .
أولا: الحكم الوراثي
جميع دول المجلس تحكمها انظمة وراثية اي ان السلطة محتكرة
من قبل اسر هي وحدها صاحبة الحق النهائي في اتخاذ القرارات
الهامة وفي التصرف في ثروات المجتمع . وعلى الرغم من حصول
بعض المشاركة الشعبية في دول المجلس منذ بداية السبعينيات
الا ان هذه المشاركة لازالت تخضع لسقوف مختلفة تضعها الأسر
الحاكمة مما يجعل غالبية شعوب دول المجلس تعيش في ظل
مواطنة منقوصة تزداد او تنقص بقرب المواطن او بعده من
اجندة الأسر الحاكمة. هذا الواقع السياسي نتجت عنه رؤيتان
للتنمية . فالأسرترى ان بقاؤها في السلطة وحريتها في
استخدام ثروات هذه المجتمعات والتحكم في الوظائف والقرارات
الهامة هو الهدف الأول وغيره من الأهداف تابعا له بينما
ترى الشعوب ان هذا الأحتكار الذي تمارسه الأسر الحاكمة على
السلطة والثروة فيه انتقاص من حقوقها الأساسية وفيه كذلك
تبذير لموارد المجتمع وتفتيت لطاقاته التي يجب ان توجه
وجهة واحدة اي خدمة المجتمع بكل شرائحه في ظل مواطنة واحده
لاتمييز بينها الا على اساس الكفاءة والأمانة وهما ركيزتان
اساسيتان في بناء اية نهضة وباية مرجعية دينية او غير
دينية مصداقا لقوله تعالى " قالت احداهما ياابتي استأجره
ان خير من استأجرت القوي الأمين " .
ولاشك ان هذه الأزدواجية في المواطنه ووجود اسر لها
امتيازات خاصة عن بقية ابناء المجتمع الذين لايقل حقهم في
تسيير المجتمع عن الأسر الحاكمة نفسها يعتبر في راي هذا
الباحث من اهم المعوقات للمسار التنموي الصحيح في هذه
الدول بل والأكثر من ذلك اننا نعتقد ان هذه الأشكالية هي
ام الأشكاليات التنموية والأمنية في دول مجلس التعاون
الخليجي وستظل كذلك وبالتالي فمن غير معالجة صحيحه لهذه
الأشكالية فاننا على يقين بان السنوات القادمة ستشهد مزيدا
من الأخفاقات التنموية والتراجعات الأمنية .
ولكن لماذا نعترض على الطبيعه الوراثية للنظم السياسية في
الخليج ؟
ان اعتراضنا هو ذو شقين احدهما مبدأي والآخر عملي وسنتحدث
عن كل منهما بشيء من الأختصار .
امااعتراضنا المبدأي فهو ان النظام الوراثي
خاصة عندما يكون استبداديا يتعارض مع نصوص قرآنية واضحه
ومع ممارسات نبوية شريفه ومع نهج الخلفاء الراشدون . فالحق
سبحانه وتعالى يؤكد على مبدأ الشورى في قوله تعالى "
وشاورهم في الأمر " وقوله " وامرهم شورى بينهم " . ولقد
شاورالرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في معركة بدر
والخندق وغيرها من المواقف وكان بامكانه وهو النبي المعصوم
ان لايفعل ذلك غير انه اراد ان يؤصل هذا المبدا بين اتباعه
. وسقيفة بني ساعده التي تم فيها انتخاب ابي بكر رضي الله
عنه كانت نموذج للترشيح والأنتخاب قبل ان ترد الينا هذه
المفردات من الغرب وكذلك الحال في صيغ الأختيار التي تم
بموجبها اختيار بقية الخلفاء الراشدين المهديين الذين
امرنا رسولنا الكريم باتباع سنتهم وذلك بقوله "أوصيكم
بتقوى الله والسمع والطاعة وان تأمر عليكم عبد حبشي ، وانه
من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة
الخلافاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ، واياكم
ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة " . اذن الشورى هي الأصل
في ديننا واي انحراف عن هذا الأصل حتى ولو طال زمنه لايجعل
هذا الأنحراف صوابا بل انه يبقى انحراف وهذا ما يؤكده موقف
الخليفه عمر بن عبد العزيز ، الذي يلقب وبحق بالخليفه
الراشد الخامس ، عندما ورث الخلافه ورفضها الا ببيعة من
المسلمين بقولته المشهوره " " أيها الناس . اني قد ابتليت
بهذا الأمرعن غيررأي كان مني فيه ، ولاطلبة له ، ولامشورة
من المسلمين . واني قد خلعت ما في اعناقكم من بيعتي
فاختاروا لأنفسكم " فصاح الناس : قد اخترناك ياامير
المؤمنين ، ورضينا بك ، قل الأمر باليمن والبركه ". اذن
اليس من الفقه والحكمة ان نطالب بتصحيح الأنحراف الذي طرأ
على نظام الحكم تيمنا بعمر بن عبد العزيز خاصة بعد ان
رأينا ما اوصلنا اليه الأستبداد من تخلف وتبعية وتجزئه
وهامشية في الميزان العالمي .
ويؤكد برنارد لويس المستشرق اليهودي
المعروف بان جوهر الحكم في الأسلام يتمثل في كلمة "العدل"
ويضيف قائلا ان الحاكم الذي يتصف بالعدل حسب المصادر
الأساسية في الأسلام لابد ان تتوفر فيه صفتين : أولا :
لابد ان يحصل على السلطه بالحق وثانيا : يجب ان يمارس هذه
السلطه على اساس عادل اي انه لايكون غاصبا للسطة او مستبدا
على الرغم من ان هذا ما حصل فعلا في فترات طويله من تاريخ
المسلمين . ويضيف لويس في سياق حديثه عن نظام الحكم في
الأسلام قائلا انه ليس هناك ادنى شك من ان المساواه بين
المؤمنين هي من المباديء الأساسية في الأسلام منذ نشاته في
القرن السابع وهذا ما ميزه عن النظام الطبقي في الهند وعن
النظام الأرستقراطي في الغرب المسيحي . بل ان حقائق الواقع
تؤكد ان الأسلام قد أكد على اهمية تحقيق المساواه وقد
استطاع ان يحقق نجاحات كبيره في هذا الصدد . ويضيف لويس
قائلا ان حتى التمييز الذي يتصف به الأسلام ضد المرأه
والعبيد والكفار في بعض جوانب الحياه لايمكن مقارنته بما
وجد في الولايات المتحدة ولفترة طويله من قيم عنصريه تتمثل
في الأعتقاد بأن " الرجل الأبيض البروتيستانتي " هو وحده
الذي ولد حرا ومتساويا مع من هو مثله . بل ان السجل
التاريخي ، كما يقول لويس، يشهد انه حتى نهاية القرن
التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت فرصة رجل فقيروذو
مكانه اجتماعية متواضعه في الوصول الى قمة الهرم الوظيفي
في الدوله الأسلامية اكبر بكثير من امكانية حصول ذلك في كل
الغرب المسيحي بما في ذلك الولايات المتحدة و في فرنسا ما
بعد الثورة .
وفي السياق نفسه يقول الدكتور محمد عابد
الجابري ان بيعة المسلمين في فجر الأسلام كانت دائما
مشروطه ونتيجة لمشاورات ابتداء من بيعة العقبة الأولى
والثانية وكذلك مبايعة كل من ابي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي
الله عنهم وارضاهم وكأن الجابري يقول ان الطاعة في تلك
الفترة كانت مشروطة بالشرع كما ان الديمقراطيات الغربية
اليوم مشروطة بارادة الشعب اذ صح لنا صياغتها هكذا ، اما
الطاعة التي سادت في ما بعد فترة الخلافة الراشدة وحتى
وقتنا الحاضر فهي طاعة غير مشروطه وهي اقرب في رأي الجابري
الى الطاعه الكسروية – نسبة الى كسرى الفرس- وهي طاعة لم
يعرفها العرب قبل الأسلام ولافي فترة الخلافه الراشده .
كذلك لو نظرنا الى تجارب بعض المجتمعات
الغربية مع النظم السياسية الوراثية خاصة الدول الأوروبيه
كبريطانيا والدانمارك وغيرها يتضح لنا ان هذه الأنظمة ما
كانت لستقر اولتحقق التقدم الذي حققته عبر القرون الماضيه
لولا توصلهم الى صيغة " الملكيات الدستوريه " التي يبقى
للأسر الحاكمه فيها دورا رمزيا ومراسيميا كماهي الحال مع
ملكة بريطانيا بينما تتنافس الأحزاب المختلفه والممثلة
لآراء المجتمع ويحكم منها ذو الأغلبية البرلمانية ولاتتدخل
الملكه في شؤون الحزب الحاكم لأنه تم انتخابه من قبل
المجتمع وجاء ببرنامج يحاسب على اساسه .
واعتراضنا على النظم الوراثية هو كذلك عملي
لأنها اخفقت في تحقيق كل من التنمية والأمن على الرغم من
مرور حقبا زمنية ، ومن المؤسف حقا ان دولا كسنغافورة
وتايوان وكوريا الجنوبية حكمتها خلال الثلاثين سنة الماضية
حكومات مستبدة ولكنها كانت عادلة اي انها جاءت برؤى تنموية
واضحة واسست مؤسسات فاعلة تقوم على الأكفأ في ادارة اجهزة
الدولة وكانت لها سياسات تنموية واضحة نفذتها من غير تردد
ولارضوخ للضغوط الخارجية اوالداخلية ومع النجاحات
الأقتصادية وتنامي الطبقة الوسطى والمطالبة بالتحرر
السياسي حدثت تحولات تلقائية في تلك المجتمعات واصبحت تلك
الشعوب تختار حكامها وتحاسبهم وتغيرهم وها هي الآن تنافس
الدول الصناعية في تقدمها وثورتها العلمية ونوعية مؤسساتها
وكفاءة قواها البشرية وفي مستويات دخل الفرد فيها . اما
حكوماتنا التي كنا نتمنى ان تنتقل من الأستبداد والظلم الى
الأستبداد والعدل ثم الى الحرية والعدل لم تتغير وللأسف
ابدا ، اذا تجاوزنا التغييرات الديكورية كالأنتخابات التي
حصلت في الأمارات مثلا ، وظلت بنفس الرؤية وبنفس الآليات
وبنفس التبسيط للأمور وانخدعت وخدعت شعوبها بارتفاع مستوى
المعيشة والأنتقال من الحياة البسيطه الى الأستهلاك الوفير
وتوهمت انها اصبحت في مصاف الدول المتقدمة لأنها تستهلك ما
يستهلكون بل وتستهلكه قبلهم ونسيت او تجاهلت ان مجتمعاتنا
قفزت من الفقر المقدع الى الأستهلاك المفرط من غير ان تمر
بمرحلة الأنتاج وما تتطلبة من مشاركة سياسية وحرية
اقتصادية وتطور نوعي في المهارات وشفافية في اتخاذ
القرارات وعدالة في توزيع الحقوق ومحاربة للفساد وحرية
للصحافة وحفظ للمال العام وغيرها من شروط التنمية الفعلية
وكان سبب هذه القفزة هو النفط الذي حبانا الله به وكان
بامكانه ان يكون مسهلا لعملية الأنتقال الى مجتمع منتج
فحولناه الى مسكنا اعمانا عن اتخاذ القرارات الصعبة التي
تتطلبها التنمية فاصبحنا نشتري به كل شيء ، ولكن النفط
ناضب ونحن نقوم اليوم باستنزافه على حساب الأجيال القادمة
لأنها شريكة لنا وكان الأجدر بنا ان نستخدمة لبناء مجتمع
منتج اولتوليد مداخيل بديله تعيش عليها الأجيال القادمة
كما عشنا نحن على النفط .
اذن ظلت رؤية حكومات المنطقة رؤية ضيقة
وانانية تتمحور حول الحفاظ على السلطه وما ياتي معها من
موارد وقرارات ومناصب فاذا تقاطعت رؤية الغنيمة هذه مع
الرؤية التنموية للمجتمع بأكمله كان به والا فان الأولوية
دائما هي لما يحفظ السلطة والسيادة والأمتيازات للأسر
الحاكمه ومن يدور في فلكها. بل والأخطر من هذا ان هذه
الحكومات بأنانيتها وقصر نظرها وتبعيتها للخارج وعدم ثقتها
في شعوبها وفشلها في توفير قنوات التغيير التدريجي الصادق
دفعت ، علمت ام لم تعلم ، بكثير من أبناء هذه المنطقة الى
الياس من التغيير السلمي مما دفع الكثيرين منهم الى اللجوء
الى العنف ليضاف الى عوامل عدم الأستقرار الأخرى في
المنطقة.
انطلاقا من الأعتبارات المبدأية والعملية
السابقة فاننا نعتقد ان اي جهود تنموية او امنية لاتبدا
بتوحيد مفهوم المواطنة سواء كان ذلك بتحول هذه الأنظمة الى
ملكيات دستورية اواي صيغة اخرى توفر مشاركة فعلية لأبناء
المنطقة في كل قرارات مجتمعاتهم ، صغيرها وكبيرها ، لن
تكون ذات جدوى بل وقد تعني مزيدا من التفتيت والتبعية
والعنف في المنطقة وهذا ما لايرغب في حدوثه عاقل وان كنا
نشاهد بعض بوادره . هذا الأحتمال يؤكده كينيث بولاك عضو
مجلس الأمن القومي الأمريكي في ادارة بوش بقوله ان الأرهاب
وعدم الأستقرار الداخلي في الخليج يغذيه في النهاية الركود
السياسي والأقتصادي والأجتماعي لأن كثير من ابناء المنطقة
لايجد عملا وكثير من هؤلاء المواطنين يشعر بالمهانة بسبب
الأنظمة المستبدة التي لاتسمح لهم بالمشاركة في تحديد مسار
مجتمعاتهم.
ثانيا: الثقافة الأسلامية
لكل مجتمع مخزون ثقافي يحدد هويتة ويمثل جسر التواصل بينه
وبين ماضيه ومستقبله وهذا المخزون يقوم كذلك بدور المحرك
لأنه يزود المجتمع بالمنظومه القيميه التي تصهر افراد
المجتمع وترسم لهم رؤية حول الكون الذي يعيشون فيه وسبل
عمارته وتحقيق السعاده والأستقرار فيه . لذلك نرى ان
هانتيغتون - أستاذ التاريخ بجامعة هارفرد- يؤكد في كتاباته
على اهمية الحفاظ على المكونات الثقافية للمجتمع الغربي او
ما يسميها احيانا بالهويه والتي كانت سببا كما يقول في
تقدمه واستقراره . ومن بين اهم مكونات الثقافه او الهويه
الأمريكية كما يراها هنتيغتون : اللغه الأنجليزيه ، القيم
الدينيه خاصة البروتستانتيه منها ، القيم السياسية
والأجتماعية حول ما ماهو خير وما هو شر والمؤسسات التي
تعكس وتعبر عن هذه القيم . ولاشك ان ثقافة المجتمعات وما
اذا كانت تساعد على التقدم ام هي عقبة في طريقه هي احد اهم
الموضوعات التي يتم الحديث عنها في الوقت الحاضر في
المحافل الدوليه وذلك من اجل فهم عوامل التقدم والتخلف.
وقد تأسس مشروع عالمي في الولايات المتحدة الأمريكيه في
السنوات الأخيره بالتنسيق مع خبراء من كثير من دول العالم
لتعميق الفهم حول دور الثقافة في تطور المجتمعات . وقد تم
هذا التقييم لدور الثقافات في التنمية على اساس مجموعة من
المعايير من اهمها معرفة ما اذا كانت هذه الثقافه تعمق لدى
اتباعها السعي والعمل والأنضباط في الوقت وحب الكسب وتحصيل
المعرفه والأمانة وتشجيع التعليم والأنتاجيه وحب المنافسه
والأبداع والألتزام بالقانون ومحاربة الفساد وحماية
الحريات وتحقيق الترابط العائلي والأنسجام المجتمعي وغيرها
من المعاييرالتي تساهم في الرقي . وعندما طبقت هذه
المعايير على 117 دولة كانت النتائج بحسب الدراسه ان القيم
البروتستانتية هي اكثر مساهمة في التحديث من القيم
الكاثوليكيه وقد وجدت الدراسه ان القيم الكونفوشسيه
السائده في شرق اسياي كالصين وغيرها هي اكثر تشجيعا للتطور
والتنمية من القيم الأسلامية السائده بل ان واقع المسلمين
كما تشير اليه هذه الدراسه يضعهم في ذيل القائمة مقارنة
بالديانات الغربية والقيم الكونفوشيوسية ذلك على كل صعيد
علما ان الباحثون لاينكرون ان القيم السائده عند المسلمين
اليوم ليست نفس القيم التي كانت سبب لأزدهار الحضارة
الأسلامية السابقه .
ان التحليل السابق يشير الى اهمية الثقافه
كمحدد للتنمية ولكنه يؤكد على أن ثقافة المسلمين في وضعها
الحالي تمثل عقبة في طريق التنميه ونحن وان كنا لاننكر
الواقع المتخلف للمسلمين اليوم الا اننا نعتقد ان المقوله
السابقة فيها كثير من التعميم الذي يحتاج شيء من المناقشه
لتجليته على النحو
التالي :
فأولا لابد ان نفصل بين الثقافة الأسلامية
الأصيله والتي تتكون من الثوابت الحضاريه المستمدة من كتاب
الله وسنة نبيه عليه افضل الصلاة والتسليم وبين تاريخ
المسلمين الذي يشتمل على فترات تختلف في درجة اقترابها أو
ابتعادها من النموذج الأصيل . فالحكم على المسلمين اليوم
بأنهم في حالة جمود على اكثر من صعيد لاينكره احد ولكن
الصحيح كذلك ان هذه الأمة قد عاشت فترات سابقة ، وبشاهدة
الغربيين انفسهم ، كانت لها فيها الريادة والسيادة على
البشرية جمعاء . وطالما ان حديثنا هو عن دور الثقافة كاحدد
محددات التنمية والنهضة ، فقد يكون من المفيد ان نستمع مرة
أخرى لبرنارد لويس المؤرخ والمستشرق وهو يتحدث عن تاريخ
المسلمين في كتابه بعنوان " أين حصل الخطأ" والمقصود
بالخطأ هنا هو انحراف الأمة الأسلامية عن مسارها الحضاري
حتى وصلت الى ما وصلت اليه اليوم . ففي هذا الكتاب يقول
لويس ان كثيرا من الناس يتساؤلون عما اذا كان الأسلام عقبة
امام الحرية والتقدم التقني والتنمية الأقتصادية ؟ ويجيب
لويس قائلا: كيف يمكن ان يكون الأسلام عقبة والمسلمون
كانوا روادا في هذه المجالات الثلاثة اي الحرية والتقنية
والتنمية وذلك عندما كانوا أكثر قربا من اصول دينهم
ومنابعه مما هم عليه في الوقت الحاضر؟ ويضيف قائلا ان
التساؤل المنطقي هو ليس ماذا صنع الأسلام بالمسلمين اليوم
وانما السؤال الصحيح هو ماذا فعل المسلمون بالأسلام حتى
يصلوا الى الواقع الحالي ؟ . نعم هذه شهادة مستشرق ويهودي
وليس متعاطفا مع العرب او المسلمين ولكنه حريص على سمعته
كمؤرخ ومهما اختلفنا معه في بعض تفسيراته الأخرى او حتى في
غاياته الا انه يؤكد كغيره ان الأسلام بمنابعه الأصيله كان
رائد للحضارات التي عرفتها البشرية ونحن ليس لدينا اصلا
شكا في ذلك ولكننا اردنا ان نصحح بعض المغالطات التي يقع
فيها بعض الباحثون في الغرب وكذلك بعض مثقفينا الذين
تشبعوا بالعلوم المعاصره ولكن زادهم من تاريخ امتهم
وثوابته الحضاريه لازال زهيدا وللأسف . كما واننا نريد ان
نؤكد مرة أخرى على ضرورة تنقية هذا التراث من الشوائب
والأنحرافات التي علقت به في ظل الأستبداد .
وهذا هو المؤرخ ويل ديورانت يقول في كتابه
:عصر الأيمان نقلا عن الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد
نيكسون انه عندما كانت اوروبا تغط في سبات عميق في القرون
الوسطى كانت الحضاره الأسلامية تعيش عصرها الذهبي حيث كانت
لها مساهمات في كل العلوم ، كالعلوم الطبيعية والطب
والفلسفه ، فأبن سيناء كان اعظم كاتبا في الطب ، والرازي
كان اعظم طبيبا , و |