|
أمام
هذا التطورالمتسارع كما وكيفا في أساليب الاتصال نفذت
وسائل الاعلام إلى حياة الناس وتداخلت معها بشكل كبير،،
وهذا بقدرما أتاح للناس والمجتمعات مساحات كبيرة من
المعرفة والترفيه فإنه بالمقابل أوجد أنماطا وأذواقا
معيشية وثقافية ورؤا سياسية تحددت حسب توجهات القائمين على
نوافذ الاتصال هذه أو أولئك الذين يصنعون دفق المعلومات
بزخم وكثافة،،
إننا في
هذه الحالة نجد أن " المحتوى" الاعلامي أو ما يسمى
بالرسالة الإعلامية هي جوهر عملية الاتصال، ودون أن نتعمق
في هذه النقطر كثيرا فإنه معلوم بأن نحو خمسة وكالة انباء
في العالم تسيطر على اكثر من 85% من الأخبار..
الإعلامي شريك أساسي في التنمية،،
وما دامت العملية الاعلامية غير محايدة تماما ، فالصحفي
بدوره وبصفته مثقفا شريك أساسي في العملية التنموية
ومتفاعل رئيسي مع قضايا مجتمعه دون أن ؤثر ذلك على مهنيته،
ومن الخطأ أن نحاول في بعض مؤسساتنا الاعلامية – في تقديري-
أن نخلط بين الموضوعية والحياد، ونتعاطى مع الاعلاميين
كأدوات أو إن صح التعبير كآلات ناقلة للأخبار هي أقرب
للأبواق أو رجع الصدى، وهذا اتجاه يقتل الحس الصحفي ويهمش
وظيفة الصحفي والاعلامي عموما والتي هي بالأساس الإبلاغ
وتقصي الحقائق واستكشاف واقع الناس لتغييره لما هو أفضل،
ويشار إلى الصحفي في بعض الأدبيات الغربية بأنه " الوسيط
الديمقراطي للقضايا الاجتماعية".
وقد لخص
" كلارنس بارون" في جريدة "وول ستريت جورنال" قبل نحو قرن
من الزمان مهمة الاعلامي الاقتصادي في قول جميل موزون موجه
لصحفييه: " إنكم في الميدان لتدافعوا عن الصالح العام، عن
الحقيقفة المالية من أجل المستثمرين وعن الأرصدة التي
ينبغي أن تدعم الأرملة واليتيم"، وهنا يكون قد جمع أطراف
العملية الاقتصادية من " المستثمر" إلى " اليتيم" أو
المعوز.
إن
الصحافة الحقة هي المرآة التي تعكس المجتمع بعيوبه وحسناته
وهي الشاهد المؤثر في التفاعلات الحاصلة، وعندما نسقط هذا
المعيار على وسائل الاعلام في منطقتنا العربية عموما،
فإننا يمكن أن نصل إى التصنيف التالي:
- وكالات الأنباء: صب في اتجاه واحد شعاره من " المسؤول" و
إلى " المواطن" دون أن تأبه كثيرا لحال الثاني أو رد فعله
إلا بالقدر الذي يريد أن يتيحه الأول.
- التلفزيونات والفضائيات: اقترابها من قضايا المجتمع
اليومية يحكمه عاملان، الأول سياسي يخضع لمساحة الحرية
المتاحة والثاني تقني يرتبط بنقل القضية بالصوت والصورة
والإضاءة والتي ليست متاحة دائما.
- الصحف والدوريات المطبوعة: وهي عموما أكثر حرية من
سابقتها و أخف حملا، إذ بإمكان الصحفي إجراء مقابلاته
وتحقيقه بأدوات بسيطة أهمها القلم الذي يرسم بكلماته واقعا
ووقائع.
الإعلام الاقتصادي والتنمية،،
واحدة من أهم التحديات التي تواجه المسؤولين في قطاع ما
يسميه البعض بالإعلام التنموي هو قلة الكادر الاعلامي
المتخصص في الشؤون الاقتصادية، حيث أن معرفة الأسس
والمصطلحات الاقتصادية العامة فضلا عن القدرة في التعامل
مع الأرقام الصماء واستنطاقها للقارئ أو المشاهد أو
المستمع تحتاج إلى نوعيات خاصة من الاعلاميين وهم ليسوا
بكثرة في منطقتنا،،
وفي الواقع نما الاعلام الاقتصادي بشكل ملحوظ في السنوات
الأخيرة مدفوعا بقوتين اثنتين، الأولى: بدء ظهور الإعلام
المتخصص ( وللأسف أن أغلبه قد تخصص فيما لا يغني ولا يسمن
من جوع)، والثاني: الطفرة الاقتصادية في دول الخليج حديدا
الناتجة عن تضاعف أسعار النفط 3 مرات في أربع سنوات وتوفر
سيولة مالية كبيرة تحتاج إلى قنوات إستثمارية اختزلت بشكل
شبه تام بين أسواق المال وسوق العقارات.
وما زال الاعلام الاقتصادي الذي يشق خطواته الأوى يتلمس
طريقه ويستكشف أدواته المختلفة في التعاطي مع قضاياه خصوصا
في المجال التلفزيوني، حيث المهمة الأصعب هي جعل المادة
الاقتصادية مستساغة لدى المشاهد بل وجذابة ، ودون الانغماس
في عالم الأرقام الذي يظنه البعض أنه الاقتصاد بذاته. إن
ما نراه مهما في الاعلام الاقتصادي هو أن يعتمد:
-
التبسيط ما أمكن.
-
تجنب حشو الأرقام ، وسردها بما قل ودل.
-
أنسنة الاقتصاد، حيث لا يصبح فقط اقتصادا للشركات
وأصحاب الاستثمارات.
-
توثيق البيانات من حيث مصادرها.
إشراك المجتمع في التنمية:
العملية التنموية لا يمكن يمكن أن تتم دون مشاركة المجتمع
بوعي وفعالية، والمشاركة تقتضي اتاحة المعلومات الضرورية
الصادقة والحقيقية ، ولعل طريقة الوصاية التي انتهجتها عدد
من الدول العربية بعيد استقالالها أو تأسيسها – للأسف-
كرست لنظرية تبعية الأمة للحاكم وفقا لمنهج " ما أوريكم
إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" بيد أن هذا الرشاد
في الغالب ما اتضح أنه هلاك قاد إلى إعادة التوجه
الاقتصادي برمته مئة وثمانون درجة وفقا لشروط صندوق النقد
والبنك الدوليين، حيث أن دولا مثل: المغرب، الجزائر،
موريتانيا، الأردن، لبنان، سوريا وجدت نفسها مجبرة للذهاب
إلى المؤسسات المالية الدولية و أخذ وصفاتها التي أفرزت
تبعات إجتماعية قاسية مثل تسريح آلاف العمال ورفع أسعار
المواد الأساسية و،،،إلخ
إننا في الحالات سالفة الذكر وجدنا أن الشعوب لم تستشر في
النهج لكنها هي التي دفعت الثمن " شركاء في الغرم لا في
الغنم"، لقد دمرت عائلات بأكملها اقتصاديا واجتماعيا وهي
لا تعرف لماذا؟ بل ولا تعرف ماذا بعد؟؟ شبهت ما رأيته في
عيون هؤلاء الضحايا و ما سمعته منهم مباشرة كحال مريض يقاد
إلى غرفة العمليات دون أن يخبره الطبيب الجراح ما هو مرضه
وماذا سيفعل له، وما مدى خطورة الأمر؟!
إن عدم مصارحة المجتمع في قضاياه
الاقتصادية وإطلاعه على المسارات المستقبلية بل واستشاراته
أو استفتائه حولها عامل يزيد في شرخ الثقة بين الحاكم
والمحكوم، ولا عجب في عالمنا العربي أن نتحدث بعد ذلك عن
تدني انتاجية العامل العربي التي لا تزيد عن 26 دقيقة في
اليوم !!
للأسف هناك نظريات إعلامية تمارسها أنظمة كثيرة في العالم
خصوصا في تلك التي تقل أو تنعدم فيها المؤسسات الديمقرطية
ستند إلى أن الاعلام هو آداة لترويض الناس وليس إلى
توعيتهم وتحريرهم ، وبالتالي يعمدون إلى صب دفق معلومات
منتقاة وحجب معلومات أخرى عن المتلقين لبرمجتهم بالشكل
المطلوب.
عايشنا في عهد الإشتراكيات كيف كانت الحكومات تنزل جحافلها
إلى القرى والأرياف لتعليم الفلاح معنى الإشتراكية
والتسيير الذاتي والمركزية، الملكية العامة وشيوع وسائل
الانتاج والتأميم،،،إلخ وهي إديولوجيات يختلف بشأنها
أصحابها المؤسسون!!
لكن
عندما درات عقارب الزمن 180 درجة صوب الرأسمالية والإنضمام
إلى منظمة التجارة العالمية، وجدنا أن من كان يشرح مبادئ
لإشتراكبة أصبح يقود التحول والاصلاح الاقتصادي، لكن هذه
المرة دون عناء شرح، مع الفارق أن درجة الوعي والمتعلون
زادت أعدادهم بشكل كبير,
في العقد المضي شاهدنا الأروربيين وهم يدلون بأصواتهم بشأن
عملتهم الموحدة بعد نقاش واسع في وسائل الاعلام واختاروا
ما شاؤوا بمحض إرادتهم ، وتوجهوا قبل ذلك للتصويت على
معاهدة ماستريخت عام 1992، وهم من غير شك يتحملون اليوم
بأنفسهم غرس ما اختاروا،،
ويمكن مقارنة الصورة المقابلة بالنسبة للعملة الخليجية
الموحدة، حيث سألني الكير من الزملاء الخليجيين بما سينعكي
علينا توحيدها، وهذا يعطيك الدليل أنه لم يتم التطرق
الموضوع إلى الناس باو للإقرار.
كما ذكرت سالفا أن هناك استئثار من الحكومات العربية
بالقرار وعدم إشراك الناس في النقاش والرأي والاختيار عامل
يباعد لا محالة بين الجانبين ولا يحفز قوى الانتاج
الأساسية، وربما العامل ذاته يقف إلى تعطل كل مشاريع
التكامل الاقتصادي بين الدول العربية.
المطلوب من الاعلام الاقتصادي،،
-
نقل
الحقائق من جميع الأطراف وبشكل مستقل: أي إعلام في
اتجاهين من فوق لأسفل والعكس.
-
نشر
الوعي الاقتصادي: رسالة التثقيف الاقتصادي والاستثماري.
-
زيادة الوعي بالنتغيرات الاقتصادية المحلية والدولية:
فتح أفق حول القضايا الحاصلة.
-
مكافحة الفساد وكشفه:
-
الرقابة على المؤسسات والمسؤولين
-
ايصال صوت المعوزين وتحريك المسكوت عنه
-
اتاحة المعلومات الاستثمارية الصحيحة
-
ترقية معايير الشفافية والافصاح والمساءلة.
محاذير أمام الاعلام الاقتصادي:
-
"
البوقية" أي بوق أحادي الاتجاه
-
الاغراق في لغة لا يجيدها إلا المحاسبون
-
الاستدراج إلى ولاء أصحاب الشركات والنفوذ
-
شراء الذمة ( رشاوي في قالب هدايا)
-
الابتعاد عن واقع الناس وحاجاتهم
-
تضارب المصالح الاستثمارية الشخصية مع المهنية..
الخلاصة:
الإعلام الاقتصادي أو التنموي يمثل رسالة إعلامية تتداخل
أهدافها الاقتصادية مع الاجتماعية والثقافية والسياسية في
آن واحد،،والمنطقة العربية أحوج ما تكون لهذه العملية التي
يرتبط بها الحاضر والمستقبل،،ويزيد في مسؤولية وسائل
الاعلام أن المنطقة تزخر بمصادر الثروة الطبيعية وقبلها
البشرية لكن الانطلاق إلى تحويل هذه العناصر إلى فعل
اقتصادي وحضاري مسألة تحتاج تضافر جهود كثيرة .
|