الكلمات

الإعلام العربي والحوار باتجاه الآخر

حصة العسيلي
خبيرة إعلام إمارتية
رئيس مجلس إدارة النورس لتنظيم المعرض والمؤتمرات - دبي

  • هل نملك لغة إعلامية صحيحة لطرح حوارنا باتجاه الآخر؟

  • ماهي الوسيلة الإعلامية الناجعة لإيصال صوتنا وصورتنا لذلك الآخر؟

  • هل نملك مقومات الحوار الموجه المؤثر؟
     

 

هذه الأسئلة لطالما ألحت علي كثيرا طيلة سنين مسيرتي الإعلامية منذ عام 1965 حتى اليوم.
فآليت على نفسي أن يكون لي دور يساهم في الارتقاء بمفهوم الحوار الإعلامي الموجه سواء أكان حوارا وطنيا أو حوارا باتجاه الآخر وهو من نسميه المختلف هوية / ولغة / ورؤى.

كانت البداية منذ أن كنت في الخامسة عشرة من العمر أخطو بوجل نحو وجهة غير واضحة المعالم "الإذاعة" "صوت الساحل" عام 1965.

كنت أعتقد أن الإذاعة وجدت كوسيلة ترفيه وأقصى طموحاتي أن أقدم برنامج ما يطلبه المستمعون من أغاني وموسيقى كانت الخطوة الإعلامية الأولى إلى هذا العالم المجهول.

لتتسع مداركي بعد حين واستوعب أهمية التواصل حتى عبر أسلاك الأثير وأن بإمكانك التأثير في المستمع وتوجيهه نحو أهدافك، فيما لو أحسنت اختيار لغة الحوار المؤثر.

إذا في ذلك التاريخ كانت الإذاعات الموجهة التي تهدف إلى استقطاب المتابعين لها تتفنن في اختيار أساليب الحوار الذي من شأنه التأثير في القطاع الأكبر من المستمعين واختراق الفكر وتوجيهه نحو الأهداف المرجوة.

من هنا أدركت أهمية الإعلام ومدى تأثيره وتأثر الناس به، وأهمية اختيار الأسلوب الأمثل للتعبير عن وجهات نظرك دون إغفال لوجهة النظر الأخرى المغايرة أوحتى المضادة، فلابد أن يكون هناك نقطة التقاء وإن تباينت وجهات النظر. ويكمن سر إقناعك أو اقتناعك في مدى قدرتك على توظيف المعطيات الإنسانية واختيار مفردات اللغة المعبرة عن مكنونات النفس البشرية لتصل مباشرة إلى العمق الإنساني للمتلقي، وأنك لكي تقنع ذلك المتلقي بمصداقيتك يجب أن تكون صادقا ي التعبير عن مبتغاك باختيار لغة التعبير المباشرة وأن تكون أنت بذلك مؤمنا بما تطرح أوتقول، وتملك الحجة والقناعة بوجهة نظرك كي تدافع بصدق واقتناع وحميمية.

تتابعت سنين العمل بين الإذاعة وتلفزيون الكويت من دبي 1969، وإذاعة وتلفزيون أبوظبي ليحفظ التاريخ لي مكانة الإعلامية الأولى لتتنوع مصادر ثقافتي الإعلامية وقناعاتي من ثم بأهمية الإعلام في حياتنا لأجد نفسي في مواجهة مع معطيات ومهام تتطلب تنوع أساليب الحوار واختلاف مفرداته لتبدأ مسيرة الحوار الإنساني المباشر والملموس والموجه من خلال مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة في المعارض العربية والعالمية ابتداء من عام 1974 للتعريف بها وبتاريخها وتراثها الذي يعكس الحرص عليه وعيا والتزاما واحتراما بالموروث الذي يحفظ التمسك به الهوية الحقيقية للإنسان في دولة الإمارات حيث ساند هذا التوجه وأكد عليه المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله في مقولته الشهيرة "من لاماضي له فليس له حاضر"، في ذلك الوقت لم تكن المشاركات العالمية في المعارض الدولية تمثل هدفا ولاتعني لدى الكثيرين سوى التواجد، أما بالنسبة لي فقد كانت هدفا ساميا وتحديا لإثبات الذات في مجتمعات لاتدرك لنا موقعا على خريطة العالم ونمثل لها المجهول بعنيه

هنا أدركت حجم المسئولية الوطنية وأهمية أن تجد لك مكانا في العالم يُبرز ويُؤكد حقيقة أرض وشعب لم يُعطها النفط فقط شهادة الميلاد ولكنه عميق الجذور.

هذا الالتزام والحرص والتمسك بالقيم يضفي مصداقية على صاحبه ويؤكد أهمية الإنتماء والإعتزاز به، ومن ثم محاورة الآخر من واقع عميق الجذور صادق الطرح مقتنعا ومعتزا بما يملك ليقنع الآخر يهذا الصدق فيصنع التأثير المطلوب.

من هذه الرؤية الواضحة المعالم لديً حرصت دوما على امتلاك وسيلة التعبير والتخاطب والحوار في كافة المحافل العربية والعالمية بدءا بتوظيف كافة الإمكانات الموروثة كالقيم وعزة الإنتماء والتمسك بمبادئ الدين والعروبة ، كما حرصت على التزود بمعطيات الثقافات الأخرى فبدأت بالاطلاع على معتقدات الديانات الأخرى لأهل الكتاب، فدرست الإنجيل والتوراة للاطلاع على معتقدات الآخر، ومن ثم مقارعة الحجة بالحجة من القرآن الكريم دونما تقليل من شأن هذه المعتقدات لأملك مقومات الحوار الواثق المتمكن في طرح رؤى عربية مستمدة من كتاب الله العزيز تهدف إلى التعريف بماهية الجذور العربية ودور العرب في التاريخ موثقا بالعودة إلى المراجع واستشهادا بأحداث التاريخ ومواقف العلماء وإبداعاتهم وتأثيرهم الإنساني.

رؤيتي هذه حققت الكثير باتجاه اختيار أسلوب الحوار الحضاري، فتمكنت، ولله الحمد، من تحقيق التواصل الإنساني المنشود ليتحقق نتيجة ذلك حلم عربي حصلت عليه دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تم اعتمادي كأول شخصية عربية تتبوأ منصبا في لجنة الإشراف والتسيير للإكسبو العالمي 2000 بهانوفر الذي انعقدت فعالياته تحت شعار "الإنسان، الطبيعة، التكنولوجيا"، وهو المنصب الذي لم يسبق لأي عربي أوعربية الحصول عليه منذ بدأ تنظيم مثل هذه المعارض، أي منذ عام 1896.

إذا، نحن نملك لغة حوار متميز وصادق ونستطيع التأثير بوسائلنا المباشرة، فلِمَ يبقى الإعلان العربي قاصرا؟
ولِمَ نردد دوما أننا لسنا بكفاءة الإعلام الغربي؟
مالذي ينقصنا؟
ألا نملك الإمكانات؟
ألا نملك مصداقية الطرح؟
ألسنا أصحاب حق يجدر بنا المطالبة به قولا وفعلا؟

إذا كان لي أن أجيب على هذه التساؤلات استنادا إلى خبرتي المتواضعة، إسمحوا لي أن أقول أن الخلل يكمن فينا، نعم يكمن فينا نحن. نحن لم نوحد لغة حوارنا باتجاه الآخر. نحن لا نثق في مقوماتنا وموروثاتنا وعمق انتمائنا، نحن نستهلك ونستهلك ولانشارك في الإنتاج، نحن نستورد الإعلام المعلب الجاهز ولانكلف أنفسنا بذل الجهد والتصنيع، نحن نقلد دون دراية بما يتناسب ومالا يتناسب إلا لمجرد التقليد الأعمى الذي غالبا ما يأتي مشوها.

نحن نغفل قيمة ما لدينا من تراث وموروث لنوظفه إعلاميا فيقتدي به الآخرون حيث يمثل هذا الموروث قيما ونماذج مشرفة جدير بكل إنسان أن يحتذي بها.

تاريخنا العربي مليء بهذه النماذج التي تعكس سلوك العربي الأصيل في تعامله الإنساني تجاه الغير، سواء كان في كرمه أوإيثاره أو إنسانيته أوبنجدته للمستجير به هناك من أضافوا للبشرية بعدا ثقافيا وعلميا وأدبيا متميزا. فلِمَ لا نتصدى اليوم في حوارنا باتجاه الآخر بتسخير إعلامنا لاختيار رموز عربية كل في مجاله نوثق له ونُعنى بما ترك لنا من موروث ثقافي أوعلمي أو أدبي، وذلك بإعداد أفلام وثائقية يتم إنتاجها وإخراجها بتقنيات عالية، إلى جانب التركيز على الأجيال التي تجهل دور السابقين، فنعد لأطفالنا أفلاما كرتونية تتناول بأسلوب مبسط واضح الشخصيات العربية ودورها في التاريخ لنخلق لديهم عزة الانتماء والاعتداد بعروبتهم.

إني هنا من هذا المنبر الإعلامي، أدعو جميع القائمين على إعلامنا العربي الموجه، إلى الالتفات إلى أهمية الاعتزاز بالموروث والقيم الأصيلة وإبرازها بكافة الوسائل المتاحة للتواصل مع الجمهور المتلقٍي، وكذلك التركيز على إنتاج البرامج الموجهة اجتماعيا وثقافيا وذات بعد إنساني ، بالعديد من اللغات العالمية وتخصيص عدد من ساعات البث الفضائي لعرض هذه الأفلام والبرامج في الأوقات التي يمكن أن تحقق أعلى نسبة مشاهدة في البلدان الأخرى.

من هنا نقول أننا لو أردنا تحقيق التواصل والتفاعل وإيجاد لغة حوار فاعل باتجاه الآخر، فلن نعدم الوسيلة، فلدينا ولله الحمد المقومات الكفيلة لتحقيق حلم التواصل الإنساني المتكافئ.

هذه أمنياتي ويراودني الحلم بأن يكون لي يوما ما مساهمة متواضعة في إبراز عمق عطاء الإنسان العربي وما يملكه من قيم بما تراكم لديً من خبرات.